الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

133

شرح ديوان ابن الفارض

بذكر مكة روحي وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله والإسعاد من قولك أسعد فلان فلانا أي أعانه . و « شاديا » حال من ضمير المخاطب في روح أي روح روحي بذكر مكة ولياليها . فإن لها في ذلك أقصى أمانيها وغاية مطلوبها ومعانيها . ( ن ) : قوله يا سميري كنى بذلك عن أصحابه من أهل الغفلة والحجاب الذين يسمر معهم ويتحادث وهم غافلون في ليل الأكوان قبل طلوع فجر العيان وذهاب ظلمة الإمكان عن حوادث الأعيان . وقوله بمكة ، أي بذكر بيت اللّه الحرام وجيرانه السادة الكرام كناية عن أهل اللّه العارفين به أصحاب القلوب الهائمة في مظاهر تجلياته وذكر كرامات الأولياء ومحاسن أوصافهم تقوية لأحوال المريدين وتنشيطا لهممهم . اه . فذراها سربي وطيبي ثراها وسبيل المسيل وردي وزادي [ الاعراب والمعنى ] « سربي » مبتدأ و « ذراها » خبر مقدم وهو بفتح الذال المعجمة عبارة عن المكان الذي يقرب من البيت . يقال فلان ساكن في ذرا فلان أي في حماه وبالقرب من بيته وسرب الرجل بكسر السين نفسه وموطنه ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه مالكا قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها » أي من أصبح ونفسه آمنة غير خائفة . و « طيبي » مبتدأ و « ثراها » خبره . و « الثرى » التراب أي فطيبي ثراها وسربي ذراها . و « السبيل » الطريق والمراد طريق مسيل الماء . و « وردي » بكسر الواو ما أرده أي موردي . و « زادي » أي ما يتزوّده الرجل في طريقه من المطعوم والمشروب فكأنه يقول إن طريق مسيل الماء بمكة لي ورد أرده فيرويني وطعام في المجاعة يكفيني فهو ماء للظمآن وطعام للجوعان كماء زمزم لما شرب له وما أحسن ما رأيته في ذكر محاسن الشام لابن عنين : بلاد بها الحصباء در وتربها * عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق * وصح نسيم الروض وهو عليل ( ن ) : قوله « ذراها » بإبدال الهمزة ألفا من ذرأ اللّه الخلق يذرؤهم ذرأ خلقهم ومنه الذرية والجمع الذراري ، والمعنيّ بذراها خلقها وأهلها الناشؤون فيها المتولدون بها وهم أهل الجذب الإلهي من أصل خلقتهم السالكون بهممهم العلية في طريق العرفان حتى وصلوا إلى مقام التحقيق والإيقان . وقوله « سربي » أي قومي وعشيرتي . وقوله « ثراها » كناية عن أجسام أهل اللّه من الصديقين المقربين الذين قلوبهم بيت الرب سبحانه فهم على قلب رجل واحد لسريان الوحدانية الإلهية في آثار تجلياتهم